|
وهو كما أراه ضرب من اللعب على أوتار سذاجتنا
وايهامنا بأننا فعلا على طريق التقدم وأننا
بالغوه بالمستقيل القريب أو البعيد لا فرق
.وحقيقة الأمر أن تعبير - الدول النامية -
اكذوبة كبرى ؛ فالتقدم شيء نسبي؛ فلا يكفي أنك
تتقدم مثلا في اتجاه ما بسرعة ميل في اليوم
لكي تدعي لنفسك أو لغيرك أنك تتقدم ؛ لأنه اذا
غيرك في نفس الوقت يتقدم في ذات الاتجاه بسرعة
مائة ميل في اليوم فمعنى ذلك كمحصلة عملية أنك
تتخلف الى الوراء بسرعة تسة وتسعين ميلا في
اليوم!
فاذا تجردنا من آفاقنا الذاتية وخرجنا من
نطاق انفسنا ونظرنا الى المجتمع الانساني
العام سنبصر بوضوح مرعب لا اننا نتأخر فحسب ؛
ولكن أن نتبين أن التاريخ الانساني منذ بدايته
لم يشهد فترة تزداد فيها الهوة بين المتقدمين
والمتخلفين اتساعا بسرعة اكبر من سرعة ذلك في
عصرنا الحاضر؛ ولا زالت آخذة في التسارع يوما
بعد يوم . وعلينا أن ندرك لماذا نحن نتأخر ؟
وما هو الخلل في أنظمتنا ؟ وما هو المطلب
الجماهيري الملحّ؟
ثابت أن الانسانية حصلت من العلم في السنوات
المائة الأخيرة ما يكافىء ماحصلته على مدى
التاريخ البشري منذ عشرات الالوف من السنين ؛
هذه مذهلة بسيطة ؛ أما المذهلة المركبة فهي
أنه ثابت كذلك أن السنوات الخمس القادمة
ستشهد مضاعفة كل كمية المعلومات التي بين يدي
الانسان اليوم ؛ انه تسارع عظيم فجرته
الانجازات الأخيرة في العلوم والتقنية
والمعلوماتية .
أمّا نحن فاننا لا نزال منشغلين في التركيبة
الشللية ؛ وجماعة فلان أو علان ونقوم بتصفية
كل من يعارض النظام .
وكل ما أخشاه أن يظن القارىء العربي أنني
متشائم أو أن كلماتي ماهي سوىخربشة قلم ؛ لكن
الحقيقة ان كلماتي نابعة من صدر عربي متألم
لواقع المقام العلمي في بلادنا الذي هو خارج
افق الوعي لما يدور حولنا بشكل خاص وما يدور
في العالم بشكل عام .
وما دام الأمل أمامنا كالجزرة المعلقة على عصا
ممدودة من رقابنا الى الأمام نركض وراءه عسانا
نصله لكنه بهذه الحالة كالسراب صعب المنال ؛
وما دمنا كذلك فلا أعتقد أن مشروعات السنوات
الخمس أو العشر أو حتى الخمسين ستنفعنا في
شيء؛ ولا أظن ان استثمارات دولنا الغنية
بشافعة لها في تأمين مستقبل الجيل الحاضر أو
الأجيال المقبلة ؛ ما دامت الهوة بيننا وبين
المتقدمين تزداد اتساعا وما دامت قبضاتهم على
مقدراتنا ستزيد احكاما وحبالهم حول رقابنا
ستزيد خناقا .
انه العلم ؛ بل في يقيني انه - السلطان -
الذي ورد في التعبير القرآني (يامعشر الجن
والانس ان استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات
والارض فانفذوا ؛ لا تنفذون الا بسلطان)
والعلم هبة الله ونعمته على الانسان يتجلى ذلك
في أول ما نزل من القرآن الكريم ( اقرأ وربك
الأكرم الذي علم بالقلم ؛ علم الانسان ما لم
يعلم ).
ليس لنا من أمل في الحاضر ولا في المستقبل الا
اذا كان استثمارنا الأول والأكبر هو العلم
والابداع فله الأفضلية على ما سواه ؛ سواء
أكان تشكيل وحدات مرعبة لحماية النظام أو
اشادة القصور وقمع الفكر الحر والأراء
البنّاءة .
فلا بد من حماية حرية الفكر ؛ وحرية الابداع
وحرية الرأي الآخر كي يتمكن المجتمع من النهوض
بكل قوة وتماسك مسلحا بالوعي والثقافة والرأي
الحر الديمقراطي .
الاستثمار في هذا الاتجاه واجب عام وعلى
الأنظمة القمعية أن تدرك ذلك وتعي تماما انه
أمر مصيري للامة بكل ما تعني هذه الكلمة من
معنى والاّ فستغرق السفينة وسيهلك ركاب الدرجة
الاولى وركاب الدرجة الخامسة وما بينهما على
السواء .
أنور ساطع أصفري
كاتب سوري
|