|
وهنا لا نعني الثقافة السياسية فقط ؛ اذ أن
معظم الانظمة العربية كادت أن تسيّس وجبات
طعامنا وغرف نومنا وعلاقاتنا مع الآخرين .
لذلك أصبح الحديث السياسي والثقافي لا بد له
الاّ أن يمثّل وجهة نظر السلطة في كل شيء.
من هنا نجد أن العديد من المثقفين التحفوا
الصمت وألهوا أنفسهم بأشغال تجارية بعيدة عن
الثقافة من أجل أن تسقطهم السلطة من حسابها
كمثقفين كان لهم صوتهم المؤثر في يوم ما . هذا
الجزء الصامت يظل يعاني العديد من أوجاع
الولاء والانتماء المؤرقة ؛ ويمزقه الصراع
الذي يقوم بين التفاته الى المثقفين الذين
نسوا ذواتهم وتحدثوا بما تريده السلطة وبين
ذواتهم التي تبقى متمسكة بحفها في الصوت الحر
الذي لا بد له أن ينبع من صاحبه ممثلا لونه في
الموقف الذي يطرحه معلنا عن رأيه في هذه
المسألة أو تلك دونما خوف .
والذي أدمن الكتابة لا يمكنه التخلي عنها
والالتهاء بأية ممارسات اخرى ؛ وتأتي هذه
المسألة واضحة عند الأديب والكاتب السياسي
الملتزم وعند الشاعر الذي تزوره القصيدة دون
ميعاد ودون أن تحسب حسابا لما يحيط بصاحبها ؛
وعند القاص الذي تزوره محطات وومضات عديدة كل
يوم لا بد له الاّ أن يتوقف عندها بقلمه
فيمارس عملية الاسقاط على الورق .
ان المبدع لا يمكنه الصمت ولا بد له الاّ أن
يكتب بوجدانه واسلوبه الحر دون أن يتوقف لحظة
عن العطاء مهما كان العقاب الذي ينتظره محاولا
تجنب الحواجز المرورية للسلطة عن طريق الرمزية
.
ان المبدع لا يطيق الصمت ؛ ولا يمكنه أن يمارس
كتابات سريّة يملأ بها الأدراج ليبرزها في وقت
مناسب آخر . ولأنه لا يستطيع ممارسة الصمت
يوهم ذاته بأنه يستطيع أن يدس لونها بين
الألوان التي تريدها السلطة والغريبة عن ذاته
.
ان الاغتراب الذاتي يبدأ بخطوة ويأتي بعدها
تناسي الذات والارتماء في أحضان ما يطلب منه ؛
ويتحول المبدع المثقف الى آلة تديرها السلطة
كيفما تريد ؛ بعد أن تقتنع أن كسب هذا المثقف
أو ذاك جاء عن طريق شرائه برفع الخوف عنه أو
بمنحه مايحلم به ماديا أو عن طريق المركز الذي
يسعى اليه ؛ اذن اللجوء الى السلطة ورطة تحمل
في طياتها اللاجىء الى ديار اخرى بعيدة كل
البعد عن ماضيه ومستقبله الذي كان يحلم به .
وطبيعي هناك فارق كبير بين المثقف المشترى
والذي يكلف بكتابة ماتريده السلطة وبين المثقف
الآخر المتعاطف مع ذاته ومع مجتمعه وهمومه ؛
فهذا الأخير تأتي كتاباته صادقة مفعمة بالتأثر
الصادق والحس المرهف .
واذا كانت هذه بعض سلبيات الارهاب الثقافي لكن
له ايجابية لا يمكن غض النظر عنها لأنها تمثّل
حقيقة الانسان الرافض للسلطات التي لا تعطي
للمثقف حقه في قول الحقيقة .
هذه الحقيقة تتمثّل في اتجاه الكاتب المعارض
واستغلال صحافة بلده لنشر مايعانيه مسغلا
الرمزية اذا كانت السياط الارهابية لم ترتفع
في بلده بعد بشكل مباشر ولا زال الحكم يتخفى
تحت ستار الديمقراطية المزعومة والحرية
الملوثة . هنا نجد أن الجميع يتابعون كتابات
المثقفين الصريحة رغم رمزيتها .
أما اذا كانت السلطة قاسية بسياطها وكادت أن
تمزق ظهور أبنائها فان المثقفين يكونون أمام
خيارين لا ثالث لهما : اما الاغتراب أو الصمت
؛ والذي يصمت يبدأ صراعه مع ذاته والسلطة
؛ويصيبه هوس ثقافي داخلي؛ ويتحوّ ل الى بركان
خامد قد ينفجر في أية لحظة . وأما المغترب
فنجده يمارس حريته بصراحة وصراخ وفضح الأعمال
الاجرامية التي تمارسها السلطة ضد الشعب ؛
فيشعر بارتياح داخلي لا يوصف .
من هنا يكون صوت المغترب هو الأفضل في معاناته
وجودته واتقانه اللون الثقافي الذي يطرحه . ثم
ان المغترب تتوفر لديه ثقافة واسعة لا يمكن
توفرها في بلده الذي يشترط لونا معينا للابداع
الثقافي .لذلك يمكن اعتبار الاغتراب سببا في
المعاناة الصادقة التي تظهر في نتاج المثقف .
ومن الجدير بالذكر ان العطاء الثقافي الذي
يأتي نتيجة معاناة صادقة يكون أجود ؛ ويكون
خصبا لظهور كتابات هنا وهناك عن الانسان
الممتلىء قهرا ؛ والتي تلتفت الى الانسانية أو
تتناولها بشكل عام من أجل فهم طبيعة الامور .
وليس بالضرورة أن يكون حديث المثقف عن بلده بل
يمكنه الحديث عن الارهاب الثقافي بشكل عام
وضرورة استئصاله من أجل أن يمنح الانسان حرية
للصراخ بأعلى صوته .
ان الابداع منطلق ثقافي لكل المعذبين ونحن
بانتظار الكاتب المبدع الذي يصرخ بأعلى صوته
بعيدا عن السقوط في سياسات محصورة في فكر معين
لا يمنح صاحبه ثقافة عامة . أو سياسات محصورة
في لون واحد لا يمكن أن تشبع صاحبها أو تجعله
ملما بالثقافة الأوسع بعيدا عن الصمت أو
الصراخ بصوت السلطة .
كاتب سوري
أنور ساطع أصفري
|